ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

131

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

ثم بين ذلك بيانا آخر يتضمن مع إقامة الحجة دفع شبه كل ملحد وجاحد ، وهو أنه سبحانه ليس في فعله بمنزلة غيره يفعل بالآلات والكلفة والتعب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل ، بل لا بد معه من آلة ومشارك ومعين ، بل يكفي في خلق ما يريد خلقه كُنْ فَيَكُونُ فأخبر أن نفوذ إرادته ومشيئته ، وسرعة تكوينه وانقياد الكون له . ثم ختم هذه الحجة باخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعله وقوله : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . فسبحان المتكلم بهذا الكلام الذي جمع - مع وجازته وفصاحته وصحة برهانه ، كل ما تدعوا إليه الحاجة من تقرير الدليل وجواب الشبهة بألفاظ لا أعذب منها للسمع ، ولا أحلى من معانيها للقلب . ولا أنفع من ثمراتها للعبد . ومن هذا قوله تعالى : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ؟ قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا ؟ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ ؟ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً . يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ( الإسراء : 49 - 52 ) فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال على التفصيل : فإنهم قالوا : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً فقيل له في جواب هذا السؤال : إن كنتم تزعمون أن لا خالق لكم ولا رب ، فهلا كنتم خلقا لا يصيبه التعب كالحجارة والحديد وما هو أكبر في صدوركم من ذلك ؟ فإن قلتم : لنا رب خالق خلقنا على هذه الصفة وأنشأنا هذه النشأة التي لا تقبل البقاء ، ولم يجعلنا حجارة ولا حديدا ، فقد قامت عليكم الحجة بإقراركم . فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وإعادتكم خلقا جديدا ؟ . وللحجة تقرير آخر وهو إنكم لو كنتم من حجارة أو من حديد أو خلق أكبر منهما لكان قادرا على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم وينقلها من حال إلى حال ؛ ومن قدر على التصرف في هذه الأجسام مع صلابتها وشدتها بالإفناء والإحالة ، فما يعجزه عن التصرف فيما هو دونها بإفنائه وإحالته ونقله من حال إلى حال ؟